محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

394

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

بطرفي اللطف والقهر : لطف اللسان والدعوة والبيان في ثلاث عشرة سنة بمكّة ، وقهر السيف والسنان في عشر سنين بالمدينة ؛ إذ هو - صلّى اللّه عليه وآله - قال : « أنا نبيّ المرحمة والملحمة 540 » وصفته في التوراة : الضحوك القتّال ، وصفة أمّته أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ و أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ فهو فضل اللّه المشخّص ، ورحمته المجسّدة للمؤمنين ، وهو نعمته وغضبه على الكافرين . فكما قبل التوراة أولئك اليهود ثمّ تولّوا عنه وأعرضوا ، كذلك قبل جماعة من هؤلاء الأمّة [ القرآن ] ثمّ تولوّا عنه وأعرضوا ، حتّى قال النبيّ : يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً ؛ وكما أنّ أولئك القوم لم يعملوا بما في كتابهم من تحليل حلاله وتحريم حرامه ، كذلك هؤلاء القوم لم يعملوا بما في كتابهم من تحليل حلاله وتحريم حرامه ؛ وكما أنّ أولئك القوم ( 172 آ ) يحرّفون صور كلام اللّه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ، كذلك هؤلاء القوم يحرّفون معاني كلام اللّه من بعد ما سمعوه وهم يعلمون ؛ وكما أنّه خلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب بصورته ، ويأخذون عرض هذا الأدنى على تحريفه بتحليل الحرام وتحريم الحلال ، ويقولون : سيغفر لنا وكلّ مجتهد فيه مصيب ، كذلك في هذه الأمّة خلف من بعد النبيّ وأصحابه والتابعين بإحسان خلف ورثوا الكتاب بقراءته ويأخذون الجاه والمال عن الملوك الجائرة ، فيحلّون حرامه ويحرّمون حلاله ، ويقولون : سيغفر لنا وكلّ مجتهد مصيب ؛ وكما كان للتوراة قوم يتمسّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة ، كذلك كان للقرآن قوم يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ « لا يقاس بآل محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - من هذه الأمّة أحد ، ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا ، هم أساس الدين وعماد اليقين ، إليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حقّ الولاية ، وفيهم الوصيّة والوراثة الآن ؛ إذ رجع الحق إلى أهله ، ونقل إلى منتقله . . . هم موضع سرّه وملجأ أمره ، وعيبة علمه ، وموئل حكمه ، وكهوف كتبه ، وجبال دينه . بهم أقام انحناء ظهره ، وأذهب ارتعاد فرائصه . » 541 وأضدادهم « زرعوا الفجور وسقوه الغرور وحصدوا الثبور » 542 ، فويل ثمّ ويل للزارع والساقي والحاصد .